يُعدّ العفو من التدابير الاستثنائية التي ترد على القواعد العادية للمساءلة الجزائية، إذ يجيز للمشرّع، في ظروف محددة، الحدّ من الآثار القانونية المترتبة على بعض الجرائم أو الملاحقات القضائية. وبحسب الدستور اللبناني، يميَّز بين العفو العام والعفو الخاص؛ فيجيز الدستور لرئيس الجمهورية بموجب المادة 53 منح العفو الخاص بمرسوم، بينما العفو العام فلا يمنح الا بقانون. ويترتب على هذا التمييز اختلاف جوهري في طبيعة كل منهما وآثاره القانونية، إذ يؤدي العفو العام إلى سقوط الدعوى العامة أو محو آثارها في الحالات التي يشملها القانون، بينما يقتصر العفو الخاص على إسقاط العقوبة أو تخفيفها مع بقاء الجريمة والحكم القضائي قائمين.
ومع عودة النقاش حول العفو العام إلى الواجهة عبر اقتراح قانون العفو العام لعام 2026، الذي طُرح في ظل أزمة متفاقمة تطال مرفق العدالة في لبنان، تمثلت في تراكم الملفات القضائية، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، والاكتظاظ في السجون، إلى جانب الصعوبات التي واجهت عمل المؤسسات القضائية خلال السنوات الأخيرة. كان قد استند الاقتراح إلى هذه الظروف لتبرير اعتماد تدبير استثنائي يهدف إلى معالجة أوضاع قائمة داخل النظام الجزائي، الأمر الذي أثار في المقابل جدلا واسعاً حول مدى انسجام الحلول المقترحة مع الأهداف المعلنة للاقتراح، وحول الإشكاليات التي يثيرها على مستوى العدالة والمساءلة وحقوق المتضررين.
ومن هنا تقتضي دراسة هذا الاقتراح التوقف عند الأسباب الموجبة التي استند إليها، لفهم طبيعة الأزمة التي يسعى إلى معالجتها والمنطلقات التي برّر من خلالها تدخل المشرّع، قبل الانتقال إلى تحليل عدد من أحكامه الأساسية وما تثيره من إشكاليات قانونية.
أولاً: الأسباب الموجبة بين تشخيص الأزمة وحدود المعالجة التشريعية
استندت الأسباب الموجبة لاقتراح قانون العفو العام لعام 2026 إلى واقع الأزمة التي يمر بها مرفق العدالة في لبنان، مشيرةً إلى تراكم الملفات القضائية، وطول أمد التوقيف الاحتياطي، والاكتظاظ في السجون، فضلاً عن الصعوبات التي واجهت عمل المؤسسات القضائية خلال السنوات الأخيرة. وقدّمت العفو العام بوصفه تدبيراً استثنائياً لمعالجة هذه الأوضاع. إلا أن المنطلقات التي استند إليها الاقتراح تثير عدداً من التساؤلات القانونية التي تستحق التوقف عندها.
إذا كانت المشكلة في بطء الإجراءات القضائية، فهل يكون الحل بالعفو العام؟
تنطلق الأسباب الموجبة من أزمة حقيقية تتمثل في تأخر المحاكمات وتراكم الملفات القضائية. إلا أن هذا التبرير يطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان العفو العام يشكل معالجة لأزمة العدالة أم مجرد استجابة لنتائجها. فبدلاً من معالجة أسباب ازمة العدالة، يتجه الاقتراح إلى معالجة آثارها من خلال استجابة ظرفية لنتائجها.
هل يخلط الاقتراح بين أوضاع الموقوفين والمحكومين؟
تركّز الأسباب الموجبة بصورة أساسية على أوضاع الموقوفين الذين أمضوا فترات طويلة رهن التوقيف الاحتياطي. إلا أن ذلك يثير تساؤلاً حول مدى جواز تعميم المعالجة لتشمل فئات أخرى تختلف أوضاعها القانونية، ولا سيما المحكومين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية. فالمشكلة التي يجري تشخيصها ترتبط أساساً بحق المحاكمة ضمن مهلة معقولة، وهو حق يختلف بطبيعته عن أوضاع الأشخاص الذين استكملت بحقهم الإجراءات القضائية.
هل يشكل العفو العام أداة لتحقيق العدالة؟
تربط الأسباب الموجبة بين الاقتراح وبين تحقيق العدالة في ظل التأخير القضائي. غير أن ذلك يفتح نقاشاً أوسع حول مفهوم العدالة نفسه: هل تتحقق العدالة من خلال إسقاط الملاحقات أو العقوبات، أم من خلال ضمان محاسبة فعالة وسريعة وعادلة؟
إذا كان العفو ليس بديلاً عن الإصلاح، فما الذي يضمن عدم تكرار الأزمة؟
تؤكد الأسباب الموجبة أن العفو العام لا يشكل بديلاً عن الإصلاحات القضائية المطلوبة. إلا أن هذا الإقرار يطرح سؤالاً إضافياً حول مدى قدرة تدبير استثنائي ومؤقت على معالجة أزمة مزمنة، في غياب إجراءات إصلاحية موازية تحول دون تكرار المشكلات نفسها مستقبلاً.
ثانياً: نطاق العفو ومعايير الاستفادة منه
تؤسس المواد الأولى والثانية والخامسة مجتمعة للإطار القانوني الذي يحدد نطاق الاستفادة من العفو العام. فالمادة الأولى تمنح العفو عن الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، بحيث يشكل تاريخ ارتكاب الفعل المعيار الأساسي للخضوع لأحكام القانون. غير أن هذا المعيار لا يبقى وحيداً، إذ تعود المادة الثانية لتستثني مجموعة واسعة من الجرائم من نطاق العفو، فيما تضيف المادة الخامسة فئة خاصة من المستفيدين تتمثل بالموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم أربعة عشر عاماً من دون صدور حكم نهائي بحقهم.
وتكشف هذه المواد أن الاقتراح لا يعتمد معياراً موحداً لتحديد المستفيدين من العفو. فمن جهة أولى، يعتمد معياراً زمنياً يتمثل بتاريخ ارتكاب الجرم. ومن جهة ثانية، يعتمد معياراً موضوعياً يرتبط بطبيعة الجريمة، كما في جرائم الإرهاب والفساد والتعذيب والجرائم الواقعة على أمن الدولة. والى جانب هذين المعيارين، يدرج الاقتراح آلية اجرائية إضافية تتطرق لوضع الموقوفين. ويؤدي هذا التداخل بين المعايير إلى قيام نظام متعدد الأسس القانونية، بحيث لا يعود نطاق العفو قائماً على قاعدة واحدة واضحة وإنما على مجموعة من المعايير المختلفة والمتداخلة.
فما هو المعيار الذي يبرر شمول بعض الفئات بالعفو واستثناء فئات أخرى؟ فإذا كان الهدف المعلن للاقتراح، وفق الأسباب الموجبة، هو معالجة الآثار الناتجة عن بطء المحاكمات وطول أمد التوقيف والاكتظاظ في السجون، فإن المعيار الأكثر ارتباطاً بهذه الغاية هو الوضع الإجرائي للأشخاص المتضررين من هذه الأزمة. أما عندما يصبح نطاق العفو مرتبطاً بصورة أساسية بنوع الجريمة المرتكبة، ينتقل النقاش من معالجة آثار الأزمة القضائية إلى تحديد أي الجرائم تستحق الاستفادة من العفو وأيها يجب أن تُستثنى منه.
تضع المادة الخامسة آلية اجرائية اضافية، فالنص يعالج وضع أشخاص أمضوا أكثر من أربعة عشر عاماً رهن التوقيف من دون حكم نهائي، وهو وضع يتعارض مع الحق في المحاكمة ضمن مهلة معقولة ومع الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. إلا أن معالجة هذه الحالات من خلال الإفراج الاستثنائي لا تعالج الخلل الذي أدى إلى وجودها أساساً، والمتمثل في استمرار التوقيف لفترات طويلة وتعثر الفصل في الدعاوى. فالحل القانوني الأكثر اتساقاً مع طبيعة المشكلة يقتضي معالجة قواعد التوقيف الاحتياطي وآليات المحاكمة وضمانات البت بالدعاوى ضمن مهل معقولة، لا الاكتفاء بمعالجة نتائج الخلل بعد وقوعه.
وبالمقابل، تكشف المادة الثانية أن الاقتراح لا يقتصر على معالجة أوضاع مرتبطة بالأزمة القضائية التي استندت إليها الأسباب الموجبة، بل يتدخل أيضاً في تحديد الجرائم التي يعتبرها المشرّع غير قابلة للاستفادة من العفو مهما كانت الظروف التي أحاطت بالملاحقة أو المحاكمة. فالجرائم المستثناة لا تنتمي إلى فئة قانونية واحدة، بل تشمل جرائم تمس أمن الدولة، وجرائم إرهابية، وجرائم فساد وجرائم مالية، فضلاً عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كالاتجار بالبشر والعنف الجنسي. ويعكس هذا التوسع في الاستثناءات توجهاً تشريعياً يتجاوز معالجة آثار الأزمة القضائية ليصل إلى إعادة تحديد الأولويات الجزائية التي يرى المشرّع أنها تستوجب استمرار الملاحقة والعقاب بغض النظر عن الاعتبارات التي بُني عليها اقتراح العفو أساساً.
إلى جانب التساؤلات المرتبطة بمعايير الاستفادة من العفو والاستثناء منه، يبرز سؤال لا يقل أهمية يتعلق بموقع المتضررين من الجرائم المشمولة به. فإذا كان اقتراح القانون يحدد من يستفيد من العفو، فإنه يحدد في المقابل الأثر الذي يرتبه هذا العفو على حقوق المتضررين، ومدى كفاية الحماية الممنوحة لهم. ومن هذه الزاوية تكتسب المادة الرابعة من القانون المقترح أهمية خاصة، إذ تنص على بقاء الحق بالنظر في الحقوق الشخصية الناجمة عن هذه الجرائم.
وتكتسب المادة الرابعة أهمية خاصة لأنها توضح حدود الأثر القانوني للعفو العام. فبالرغم من أن هذا الأخير يؤدي إلى سقوط الدعوى العامة أو محو آثارها بالنسبة إلى الجرائم المشمولة به، إلا أن استثناء الحقوق الشخصية من هذا الأثر، يؤكد استمرارها وخضوعها لاختصاص المراجع القضائية المختصة. ومن ثم، فإن العفو لا يؤدي إلى محو جميع الآثار القانونية الناشئة عن الجريمة، بل يقتصر على آثارها الجزائية دون الحقوق الشخصية المترتبة عنها.
إلا أن إدراج هذه المادة يطرح في الوقت نفسه تساؤلاً حول مدى فعالية الحق الشخصي بعد سقوط الدعوى العامة أو العقوبة، فالحصول على التعويض يبقى رهناً بمبادرة المتضرر واستمراره في الملاحقة القضائية.
في هذا السياق، يتحوّل العفو العام من أداة تشريعية استثنائية إلى آلية لتجميع مطالب متباينة ضمن نص واحد. فبعض القوى تقاربه من زاوية ملف الموقوفين الإسلاميين وما يرتبط به من سردية الظلم، وطول أمد التوقيف، والمحاكمات غير المكتملة؛ فيما تنظر إليه قوى أخرى من زاوية جرائم المخدرات، لا سيما في المناطق التي ارتبطت فيها هذه الجرائم بسياقات اجتماعية واقتصادية وأمنية معقدة. كما تحضر، لدى أطراف أخرى، ملفات اللبنانيين المبعدين المتواجدين في إسرائيل، بما يحمله هذا الملف من حساسية وطنية وسياسية وتاريخية. وبذلك، لا يعود القانون مجرد استجابة لأزمة العدالة، بل يتحول إلى محاولة لإنتاج توازن بين مطالب متعارضة، بحيث تُدرج فئة مقابل أخرى، وتُستثنى جرائم معينة إرضاءً لفئة ما ايضا.
وهذا ما يفسر الحساسية التي يثيرها العفو العام في لبنان، والتي تتجاوز النقاش التقني حول السجون والاكتظاظ. فالعفو لا يتصل بالحرية الفردية وحدها، بل يمسّ أيضاً الذاكرة الجماعية، وعلاقة الدولة بالعنف، وحدود ما تعتبره قابلاً للمسامحة أو خارجاً عنها. فعندما يقرر المشرّع شمول فئة معينة بالعفو أو بتخفيض العقوبة، لا يصدر حكماً تقنياً فحسب، بل يوجّه رسالة سياسية حول حدود التسامح الرسمي.
فالدولة تعترف بأزمة العدالة، لكنها تميل إلى معالجتها بأداة سياسية أكثر مما تعالجها بمنطق مؤسساتي.
ان دولة القانون تقوم على المساواة أمام القانون والمعايير الموضوعية، بينما تقوم المحاصصة على التوازن بين الجماعات والولاءات السياسية. فالإشكالية ليست فقط في العفو نفسه، بل في تحوّله إلى أداة لتقاسم المكاسب بين القوى السياسية والطائفية.
وعليه، الحل الأكثر اتساقاً مع دولة القانون يتمثل في إصلاح قواعد التوقيف الاحتياطي، وتسريع المحاكمات، ومراجعة الملفات قضائياً، لا في إدخال هذه الحالات ضمن بازار سياسي أوسع يخلط بينها وبين ملفات لا تنتمي إلى الإشكالية القانونية ذاتها.