Latest news

اقتراح قانون الإعلام الجديد: تحديث تشريعي أم إعادة ضبط للمجال العام؟

24/02/2026 | 10 mins.

ليس الخلاف اليوم حول ضرورة تحديث قانون الإعلام في لبنان. فالقوانين المتناثرة التي تحكم الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة وُضعت في زمن سابق للثورة الرقمية، وأصبحت عاجزة عن مواكبة الإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية. هذا التشخيص صحيح. لكن السؤال الجوهري : هل نحتاج إلى قانون جديد؟  أي قانون نحتاج؟ وهل النص المقترح يوسّع هامش الحرية أم يعيد هندسة السيطرة عليها تحت عنوان التنظيم؟
ينطلق الاقتراح من مرجعية معلنة تتمثل في مواءمة التشريع اللبناني مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 19 التي تكفل حرية الرأي والتعبير. إلا أن القراءة المتأنية تكشف مفارقة أساسية: النص يتبنى خطاب الحريات، لكنه يُدخل في متنه قيوداً واسعة قد تفرغ هذه الحريات من مضمونها العملي.

أولاً: بين التنظيم والضبط
توحيد المرجعية القانونية وإنهاء تضارب الاجتهادات خطوة إيجابية. كما أن التأكيد على منع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة. غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتحول "التنظيم" إلى إطار شامل يمسك بالمجال الإعلامي عبر شبكة كثيفة من الشروط والقيود والعقوبات.
فالقانون يضع آليات رقابية تفصيلية على الملكية والتمويل، ويمنح الهيئة الوطنية صلاحيات واسعة في المتابعة والتدقيق. الشفافية مطلوبة، بلا شك. لكن حين تقترن الشفافية بإمكانية الإقفال النهائي، والغرامات المضاعفة عشرات المرات، تصبح الأداة التنظيمية سيفاً مسلطاً أكثر منها ضمانة.
المعيار الدولي لا يكتفي بوجود قانون، بل يشترط أن يكون القيد ضرورياً ومتناسباً. فهل الإقفال النهائي وسيلة متناسبة مع المخالفة؟ وهل الغرامات التي قد تطيح بالمؤسسة  تحقق توازناً فعلياً، أم تخلق أثراً ردعياً  يدفع الوسائل إلى الرقابة الذاتية المفرطة؟

"ثانياً: المصلحة العامة "المفهوم المطاط
المادة المتعلقة بالحياة الخاصة تربط جواز النشر بوجود "مصلحة عامة". هذا في الظاهر تقدّم، لأنه يعترف بأولوية الشأن العام. لكن النص لا يضع تعريفاً دقيقاً لهذا المفهوم، ولا يحدّد معايير موضوعية لقياسه.
في الفقه الدولي، يُفترض أن تكون القيود محددة بدقة لتفادي التعسف. أما المفاهيم الفضفاضة، فتفتح الباب أمام التأويل الانتقائي. والمفارقة أن أكثر ما تحتاجه الديمقراطيات الهشّة هو حماية الصحافة الاستقصائية التي تكشف الفساد وسوء الإدارة  لا وضعها تحت اختبار تقديري غير محدد المعالم.
الخطر هنا ليس في النص بحد ذاته، بل في كيفية تطبيقه: من يحدد أن قضية ما ليست ذات مصلحة عامة؟ وعلى أي أساس؟ وهل تتحول حماية الحياة الخاصة إلى مظلة لحماية أصحاب النفوذ من المساءلة؟

ثالثاً: حظر النشر في القضايا قيد التحقيق
النص يقيّد تناول القضايا التي لا تزال أمام القضاء. صحيح أن حماية سرية التحقيق هدف مشروع، لكن الحظر العام لا ينسجم مع مبدأ التناسب. التجارب المقارنة تُظهر أن الأصل هو السماح بالنشر ما لم يثبت أنه يعرّض العدالة لخطر فعلي ومباشر.
في بيئة يعاني فيها القضاء من بطء مزمن، قد يصبح هذا الحظر أداة فعالة لتجميد النقاش العام حول ملفات حساسة لسنوات. وهنا تنتقل العدالة من كونها محمية إلى كونها محجوبة.

رابعاً: هل يحمي الصحافيين أم ينظمهم؟
يقدّم اقتراح القانون نفسه كخطوة تحديثية، لكنه في العمق يكرّس نموذج حماية مهني اقتصادي يربط صفة “الإعلامي” بالدخل المنتظم والانتماء لمؤسسة. النتيجة: المواطن العادي أو الصحافي المستقل أو المدون الرقمي ليسوا محميين، رغم أنهم قد يضطلعون بالدور الرقابي الأكثر أهمية.
القانون يضع الترخيص والإبلاغ والتقارير المالية في مركز التنظيم، بينما يغفل المعيار الوظيفي الدولي المعتمد من الأمم المتحدة والمحكمة الأوروبية: حماية كل من يجمع ويحقق وينشر المعلومات، بغض النظر عن وظيفته أو دخله. باختصار، حرية التعبير تصبح امتيازاً مؤسسياً، لا حقاً عاماً.
الأخطر أن المشروع يتجاهل  الحل الأمثل وهو Self-Regulation: أي وضع إطار وطني مستقل للإعلام، يضمن الشفافية والمساءلة، لكن يمنح الصحافيين حرية ممارسة الدور الرقابي دون تقييد مهني أو مالي. هذا النموذج المعتمد دولياً يقلّل التدخل السياسي ويعزز الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام.
في حال اعتمد هذا القانون كما هو، سيكون لبنان قد حوّل حرية الإعلام من حق عام إلى امتياز مؤسسي محدود، مع فتح الباب لتجاوزات وممارسات احتكارية، ومضى بعيداً عن المعايير الدولية التي تحمي الجمهور والصحافي على حد سواء.

خامساً: الهيئة الوطنية
ينص المشروع على إنشاء هيئة وطنية للإعلام بديلاً عن النموذج التقليدي الخاضع لوزارة الإعلام. هذا تطور نظري مهم. لكن استقلال الهيئات لا يُقاس بالاسم، بل بطريقة التعيين، وضمانات العزل، والاستقلال المالي.
من دون ضمانات صلبة، قد تتحول الهيئة إلى جهاز تنظيمي شكلي يبقي النفوذ السياسي قائماً بوسائل أكثر حداثة. والاستقلال الناقص أخطر من التبعية الصريحة، لأنه يوهم بالحياد بينما يمارس التأثير من خلف الستار.

لا يمكن إنكار أن لبنان يحتاج إلى إطار إعلامي عصري يواكب التحولات الرقمية. ولا يمكن تجاهل أن المشروع يتضمن عناصر تقدمية حقيقية. لكن التحدي يكمن في التفاصيل: في الغموض الذي قد يسمح بالتقييد، وفي العقوبات التي قد تتجاوز التناسب، وفي صلاحيات قد تتسع أكثر مما ينبغي.
حرية الإعلام لا تُختبر في المواد التي تؤكدها، بل في القيود التي تضعها. والقانون الجيد ليس ذاك الذي يعلن التزامه بالمعايير الدولية، بل الذي يصمد أمام اختبار الضرورة والتناسب في كل مادة من مواده.
المطلوب ليس إسقاط الاقتراح، بل إعادة تمحيصه بنداً بنداً، لضمان ألا يتحول التحديث إلى إعادة صياغة للضبط. فالإعلام في نهاية المطاف ليس قطاعاً اقتصادياً فحسب، بل فضاءً عاماً يمارس فيه المجتمع حقه في المعرفة والمساءلة.
والقانون الذي ينظّم هذا الفضاء يجب أن يحميه أولاً… قبل أن ينظّمه.