في الثالث عشر من نيسان، لا نقف فقط أمام ذكرى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، بل أمام مرآة قاسية لما كنّا عليه… وما نخاطر أن نصبحه مجددًا إن لم نتعلّم.
في ذلك اليوم، لم تبدأ الحرب بطلقةٍ واحدة، بل بسلسلة أخطاءٍ تراكمت: حين استُبيحت الدولة، حين استُبدلت السيادة بالولاءات، وحين ظنّ البعض أن الاستقواء بالخارج يمكن أن يبني وطنًا. فكانت النتيجة خرابًا الجميع، وثمنًا دفعه اللبنانيون دون استثناء.
واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، يبدو أن الدرس لم يُستكمل. لا تزال الدولة ناقصة السيادة، لا يزال السلاح خارجها، ولا يزال لبنان ساحةً لصراعات الآخرين. كأننا لم نقتنع بعد أن أي سلاحٍ خارج شرعية الدولة، وأي قرارٍ يتجاوزها، هو مشروع فتنةٍ مؤجلة مهما طال الزمن.
إن أخطر ما في هذه الذكرى ليس استحضار الماضي، بل تكراره بصيغٍ جديدة. حين يُفرض على اللبنانيين مصيرٌ لم يختاروه، وحين تُدار الحروب على أرضهم دون إرادتهم، نكون أمام إعادة إنتاجٍ لنفس المعادلة التي فجّرت الحرب أول مرة.
ليست العبرة في أن نتذكّر الحرب، بل في أن نكسر شروطها. وأول هذه الشروط هو إنهاء ازدواجية القرار، وبناء دولةٍ واحدة تحتكر السلاح، وتحمي جميع أبنائها دون تمييز.
لقد نصّ اتفاق الطائف بوضوح على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لكن هذا النص بقي معلقًا، فيما الواقع يسير بعكسه. فلا استقرار حقيقي دون دولة كاملة، ولا عدالة دون قانون يُطبّق على الجميع، ولا سيادة مع وجود من هو فوقها.
إن حماية الجنوب، كما حماية بيروت وكل لبنان، لا تكون بالشعارات ولا بالمحاور، بل بدولةٍ مسؤولة، قادرة، وموحّدة القرار. دولة لا تترك أبناءها رهائن لحسابات إقليمية، ولا تجعل من دمهم ورقة تفاوض.
في ذكرى 13 نيسان، لا يكفي أن نقول “تنذكر وما تنعاد”. بل يجب أن نسأل بوضوح: ما الذي يمنع تكرارها؟
والجواب معروف… لكنه يحتاج إلى جرأة.
جرأة العودة إلى الدولة، لا إلى الدويلات.
جرأة فرض القانون، لا التكيّف مع مخالفته.
جرأة الاعتراف بأن لا خلاص للبنان إلا بسيادته الكاملة.
فلنختر، أخيرًا، أن نكون شعبًا واحدًا في دولةٍ واحدة، لا شعوبًا متعددة في ساحة مفتوحة.