Latest news

التهديد بضرب طلاب لبنانيين بين منطق الحرب وأزمة الخطاب السياسي

03/04/2026 | 5 mins.

في النزاعات المسلحة، لا تكمن الخطورة فقط في استخدام القوة، بل أيضًا في اللغة التي تعيد تعريف حدود استخدامها. فالخطاب الذي يلمّح إلى الجامعات أو المدارس أو المنشآت المدنية بوصفها أهدافًا محتملة لا يمكن التعامل معه كأنه مجرد انفعال سياسي أو مبالغة إعلامية. في جوهره، هذا الخطاب يعكس تحوّلًا  من منطق الحرب المنضبط، ولو نظريًا، إلى منطق الإباحة، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين العسكري والمدني، ويصبح الحيز المدني نفسه قابلًا للإدراج في معادلة الردع والانتقام والرسائل الإقليمية. 

من هذه الزاوية، لا تبدو المشكلة محصورة في طبيعة التهديد الإيراني بضرب جامعات أمريكية في المنطقة من بينها لبنان أو في السياق العسكري الذي ينتجه، بل في البنية الفكرية والسياسية التي تجعل من المدني عنصرًا قابلًا للتسييس، ثم للتجريد من الحماية، ثم للتطبيع مع فكرة استهدافه. وهذا تحديدًا ما يمنح الموضوع بعده القانوني والسياسي والاستراتيجي معًا.
في القانون الدولي الإنساني، يشكل مبدأ التمييز القاعدة الأساسية التي تقوم عليها شرعية أي استخدام للقوة أثناء النزاع. ومقتضى هذا المبدأ أن تميّز الأطراف المتحاربة، في كل الأوقات، بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. ليس هذا التمييز تفصيلًا إجرائيًا، بل هو الحد الأدنى الذي يمنع الحرب من التحول إلى ممارسة مفتوحة ضد المجتمع نفسه. فالمؤسسات التعليمية، تتمتع بحماية قانونية واضحة، ولا تفقد هذه الحماية إلا في ظروف استثنائية صارمة جدًا، مرتبطة باستخدامها الفعلي والمباشر في عمل عسكري، لا بمجرد رمزيتها، ولا باسمها، ولا بارتباطها السياسي أو الثقافي أو الخارجي.

هنا تحديدًا تظهر خطورة الخطاب الذي يربط بين منشأة مدنية وبين هويتها أو انتمائها أو دلالتها السياسية من أجل إدخالها ضمن دائرة التهديد. فهذا الربط لا يعبّر فقط عن تساهل خطابي، بل عن مساس بجوهر القاعدة القانونية نفسها. لأن القانون لا يعترف بمفهوم العدو الرمزي كمعيار مشروع للاستهداف، ولا يجيز تحويل الجامعة إلى هدف لأنها تحمل اسمًا معيّنًا أو تمثل نفوذًا ثقافيًا أو سياسيًا لا يروق لهذا الطرف أو ذاك. وفي اللحظة التي يُستبدل فيها المعيار القانوني بمعيار رمزي أو أيديولوجي، نكون قد دخلنا فعليًا في منطق يقوّض البنية القانونية للحماية. وهذا يعني أن المدارس والجامعات والبنى التحتية المدنية لا يمكن النظر إليها بخفة خطابية أو بمنطق التهديد الفضفاض، لأن مجرد التفكير فيها ضمن حسابات الرد العسكري يكشف انزلاقًا خطيرًا في فهم القانون وفي تقدير كلفة الحرب على المجتمع.

لكن الإشكالية هنا لا تقتصر على القانون بمفهومه، بل تمتد إلى المجال السياسي. فالخطاب الذي يستهين بحماية المدنيين لا يعبّر فقط عن تطرف لغوي، بل عن أزمة أعمق في تعريف القوة نفسها. إذ ثمة فارق جوهري بين فاعل سياسي أو عسكري يدرك أن القوة، لكي تبقى قابلة للتسويغ، تحتاج إلى ضوابط وحدود، وبين فاعل يتعامل مع المجال المدني بأسره كساحة متاحة للرسائل. في الحالة الثانية، لا يعود الهدف إدارة الصراع ضمن قواعد، بل توسيع دائرة الخوف والضغط إلى الحد الأقصى. وهذا ليس تعبيرًا عن قوة استراتيجية بقدر ما هو تعبير عن عجز سياسي وفقر في أدوات التأثير، بحيث تصبح معاقبة المجتمع أو تهديده بديلًا عن أي أفق سياسي عقلاني.

من هذا المنظور، يمكن القول إن أخطر ما في بعض الخطابات الصادرة عن أطراف منضوية ضمن ما يسمى محور المقاومة ليس فقط مضمون التهديد، بل إعادة صياغة المجال المدني نفسه باعتباره مجالًا مشروط الحماية. أي إنّ المدني لم يعد يُنظر إليه كشخص محميّ لأنه خارج القتال، بل تصبح صفته المدنية نفسها قابلة للتشكيك أو التلاعب كلّما أراد الخطاب السياسي أو الإعلامي تبرير استهدافه. وهذه نقلة شديدة الخطورة، لأنها لا تمهد فقط لتبرير الانتهاك، بل تضعف المناعة الأخلاقية والقانونية للمجتمع تجاهه. فقبل أن تُستهدف الأعيان المدنية ماديًا، يجري تفكيك معناها القانوني والرمزي، وتجريدها تدريجيًا من المكانة التي تحصّنها.

في السياق اللبناني، تزداد المسألة حساسية. فحين يُعاد إنتاج هذا النوع من الخطاب داخل لبنان، أو يُقدَّم على أنه جزء من موقف ممانع، نكون أمام أزمة تتجاوز الانقسام السياسي التقليدي. ذلك أن أي تبرير لتهديد الجامعات أو المدارس أو المدنيين في لبنان، أو في محيطه، يضعف بصورة مباشرة فكرة المصلحة الوطنية نفسها، لأن منطق المحاور هنا يتقدم على منطق الدولة، وتصبح سلامة المجتمع اللبناني قابلة للمساومة ضمن حسابات إقليمية لا يملك اللبنانيون أصلًا قرارها الكامل.

هنا تظهر المفارقة البنيوية في خطاب القوى التي تقدم نفسها بوصفها حامية للبنان. فمن جهة، يرفع هذا الخطاب مفردات الحماية والكرامة الوطنية. ومن جهة أخرى، لا يجد حرجًا في التطبيع مع لغة تهدد ما يفترض حمايته أصلًا: الطلاب، الأطفال، الجامعات، والبنى المدنية. وهذا التناقض ليس عرضيًا، بل يكشف خللًا في ترتيب القيم والولاءات والمرجعيات. فعندما تُقدَّم أولويات المحور على أولويات المجتمع، يصبح الوطن مجرد ساحة، وتصبح الحماية مجرد شعار منفصل عن مضمونها الفعلي.

ولهذا، فإن المسألة لا يجب أن تُقرأ فقط كإدانة أخلاقية لخطاب منحط، رغم أن هذا البعد حاضر بقوة، بل أيضًا كرفض قانوني وسياسي لتحول بالغ الخطورة في تعريف الحرب وحدودها. فحين تصبح الجامعة موضوع تهديد بسبب اسمها أو مرجعيتها أو رمزيتها، لا نكون فقط أمام خلل في الخطاب، بل أمام مؤشّر على استعداد لتقويض القواعد التي تحمي المجتمع من الانزلاق الكامل إلى منطق الاستباحة. وهذا ما يجعل الصمت عن هذا النوع من الكلام مساهمة، ولو غير مباشرة، في إعادة تأهيله وإدخاله إلى المجال المقبول سياسيًا.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بإيران ولا فقط بأبواقها في لبنان، بل بمسألة أعمق يطرح سؤالا مهما يتمثل بأي نموذج للحرب والسياسة يُراد فرضه على المجال العام؟ هل نحن أمام صراع، مهما اشتد، تبقى فيه بعض الحدود قائمة، أم أمام منطق يعتبر أن كل شيء قابل للتوظيف، وأن الطفل والطالب والجامعة يمكن أن يتحولوا إلى أدوات ضغط في معركة أكبر منهم؟ هنا تحديدًا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا فيما يخصُّ حماية المدنيين كركيزة قانونية وسياسية وأخلاقية. وأي خطاب يضعف هذه الركيزة، أو يعبث بها، لا يعبّر عن قوة ولا عن مقاومة، بل عن أزمة عميقة في فهم السياسة، وفي فهم القانون، وفي فهم معنى أن تكون هناك حدود لا يجوز كسرها حتى في الحرب.